حبيب الله الهاشمي الخوئي
161
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وكذلك أولياؤه لم يزالوا حاسدين معاندين للمؤمنين ، مبغضين لهم وبعداوتهم معلنين متألَّمين بفرحهم وبتألَّمهم مسرورين ، فمن كان حاسدا فهو للشّيطان وأوليائه قرين ، وهو معهم في أسفل السّافلين . وأمّا كونه مضرّا عليك في الدّنيا فلأنّك تتألَّم بحسدك فيها وتتعذّب به دائما ولا تزال في همّ وغمّ ، إذ نعم الله سبحانه في الدّنيا في حقّ البرّ والفاجر والمؤمن والكافر غير معدودة ، وفيوضاته غير متناهية وأنت كلَّما رأيت تنعّم المحسود بنعمة تألَّمت وتأثّرت ، فلا يحصل لك خلاص من الحزن والألم لعدم انقطاع الآلاء والنّعم ، ولا يكون لك فراغ من الكفر ويطول عليك الهجود والسّهر فليطرق عليك النّصب والآلام ، ويتراكم عليك الأوصاب والأسقام ، لسراية المرض من القلب إلى البدن ومن الخلد إلى الجسد . ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السّلام : صحّة الجسد من قلَّة الحسد ، وقيل الحسد يضرّ بنفس الحاسد قبل إضراره بالمحسود . وقد روي أنّ رجلا كان يغشي بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول : أحسن إلى المحسن باحسانه فانّ المسئ سيكفيكه إسائته ، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال : إنّ هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول يزعم أنّ الملك أبخر ، فقال الملك وكيف يصحّ ذلك عندي قال : تدعوه إليك فانّه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلَّا يشمّ ريح البخر فقال له : انصرف حتّى أنظر . فخرج من عند الملك فدعى الرّجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم ، فخرج الرّجل من عنده فقام بحذاء الملك على عادته فقال : أحسن إلى المحسن باحسانه فانّ المسئ سيكفيكه إسائته ، فقال له الملك : ادن منّي ، فدنا منه فوضع يده على فيه حذرا من أن يشمّ الملك منه رايحة الثّوم فقال الملك : ما أرى فلانا إلَّا قد صدق وكان الملك لا يكتب بخطَّه إلَّا بجايزة أوصلة ، فكتب له كتابا بخطَّه إلى عامل من عمّاله :